هناك تناقض بين الإرادة و و المقدرة، بين الرغبة و الإشباع، بين النية و النجاح، بين التخيل و الواقع، بين الفكر و الوجود.
رغبات الإنسان لا محدودة، فهو في رغباته إله قدير، و لكن في التنفيذ محدود، كائن ضعيف يعتمد على ما حولة من كائنات أخرى و طبيعة و غيرها
فيميل الدين إلى تحطيم هذا التناقض، فيشعر الإنسان أن ما يرغب فيه ليس مستحيلا، فبالرغم من قدرات الإنسان المحدودة، يوجد ذلك الكائن غير المحدود في قدراته الذي يمكنه تنفيذ هذه الرغبات.
فالموضوع الأساسي للدين هو أغراض الإنسان، بحيث يريد الإنسان أن يتخطى حدود التخبط النهائي و العجز و المصادفات.
وكل ما كان الإنسان يعتمد عليه، قدم له العبادة (كائنات من الطبيعة)
في وقت الجفاف، يتمنى الإنسان سقوط المطر، و في وقت الفيضان و السيول، يتمنى الإنسان ظهور أشعة الشمس، كل تلك الأماني لا سبيل للإنسان لتحقيقها. فيتجه إلى إقامة شعائر عبادته لتحقيق ما تمناه و عجز عن فعله.
ولذلك فإن الآلهة هي تجسُد لجوهر رغبات الإنسان.
فتجد المؤمن يرتبط بآلهته في وقت المحن أكثر من أي وقت آخر، حتى تتحقق أمنيته أو رغبته التي لا يقو على تحقيقها.
سبق و شرحنا أن الإنسان البدائي ، كان يُشخص الطبيعة
وشعوره بالإعتماد عليها، مع تخيلها ككائن شخصي يتصرف بطريقة تعسفية أحيانا، هو الدافع للتضحية.
عندما ينظر الإنسان إلى الطبيعة و يعتبرها كائن، و شخص، فهو في الحقيقة ينظر داخلة، و يعكس ما بداخله من شعور على الطبيعة
فتكون خيرات الطبيعة التي تخرجها، هي الخير الموجود داخل الإنسان
وتكون المُخرجات المؤلمة من الطبيعة كالجوع و المرض و الألم، ماهي إلا المشاعر السيئة الموجودة في الإنسان أيضاً
ومن الأمثلة التاريخية على تشخيص الطبيعة:
إعتقد الباتجونيون أن النجوم هي الهنود الأوائل، و إعتقد أهل جرين لاند أن النجوم و الشمس و القمر هم أسلافهم
واعتقد المكسيكيون القدماء أن الاجرام السماوية التي عبدوها ماهي إلا إناسا عاشوا قبلهم بأزمنة كثيرة.
ونتج من هذا إنه إعتقد أن الطبيعة هي كائن حساس و أناني، ويعاني و يتأفف إذا ما أُخذ منه شيئا يخصه
وكان يظهر للإنسان أن إستغلال الطبيعة هو تعدي على حقها، و من أجل أن يريح ضميره من هذا الإعتداء التخيلي، و لكي يظهر أن سرقته لا تعبر إلا عن حاجته و ليس عجرفته، فقد كان يقلل من متعته (بعد تلبية حاجته) بأن يعيد جزء من المسلوب إلى الطبيعة نفسها.
أمثلة:
كان الإغريق يعتقدون أنه إذا قُطعت شجرة، فإن روحها تنوح و تستغيث حتى يتم الثأر لها.
ولذلك كان الروماني إذا قطع شجرة، ضحى بخنزير لإسترضاء البستان.
وكان البعض الآخر إذا قتلوا دباَ، علقوا جلده على شجره و أعطوه كل الاحترام و التوقير، و يعتذرون للدب على قتلهم إياه، معتقدين إنهم بذلك يتحاشون الغضب الذي ستسقطه عليهم روح الدب
والبعض كانوا يسألون السهول و الوديان الإذن قبل أن يعبروها
وغيرهم يستأذنون من المياه قبل أن يشربوا منها، أو من الأرض قبل أن يطأوا عليها، لعلمهم بأن هذا الفعل سيقتل كائنات حية كثيرة، و هو إيذاء للطبيعة، فيسترضونها.
وتلك التضحية تقدم جوهر الدين، و مصدرها هو الشعور بالإعتماد و الخوف و الشك و عدم اليقين من النجاح، و القلق من أحداث المستقبل.
وتأنيب الضمير بسبب إرتكاب الأخطاء.
كعبيد للطبيعة، فنحن نرى القصة من منظور التضحية للطبيعة لإسترضائها
وكأسياد للطبيعة، نرى أن تلك التضحية ماهي إلا طريق لنحطم شعورنا بالإعتماد على الطبيعة، و الإتجاه للإستقلال الذاتي
تلك التضحية التي نراها اليوم في الدين، وهي شعور الإنسان بإعتماده على الإله، و عندما يخطيء، فإنه يخطيء في حق الإله
وعليه لتحطيم هذا الشعور بالذنب أو الخوف من العقوبه، فيبدأ في إسترضاء هذا الإله بكافة الأشكال
إن التحولية في الظواهر الطبيعية، تجعل الإنسان يشعر بإعتمادة و إحتياجه لها..
وهذا هو ما يجعل الطبيعة تظهر للإنسان على إنها كائن بشري متعسف، وهذا يجعله يعبدها دينيا.
وللتوضيح نقول: إن كانت الشمس في السماء طوال اليوم، فما كان الإنسان ليشعر بإحتياجه لها، ولا بعاطفة دينية نحوها...ولكن لأنها تختفي ليلا عن الإنسان و تصيبه بأهوال الليل، فعندما تعود للظهور أمامه في اليوم التالي، كان يشعر بالإمتنان الشديد، و يسجد أمامها.
والبذور، إن كانت الذور طوال السنة ممكن زراعتها، فما كان الإنسان ليشعر بإحتياجه للأرض و الطبيعة و إعتماده الظرفي عليها
ولكن لأن هناك موسم زراعة، و موسم للحصاد، فيبدو الأمر كما لو كانت الأرض تفتح رحمها ببعض العطايا، ثم تعود فتغلقه مرة أخرى، فتبدو تلك الثمار كما لو كانت عطية من الأرض و تجبر الغنسان على أن يكون ممتنا لها.
تلك التغيرات و غيرها من تغيرات كتوقف سقوط الامطار مثلا و الزلازل و البراكين وو و
تجعل الإنسان غير متيقن مما سيحدث له غدا، أو بعد شهر أو سنة
وعليه فإنه لا يمكن أن يعتمد على عطايا الطبيعة كما لو كانت رد فعل ميكانيكي
ولذلك فهو يبقى متواضعا، مستمرا في علاقته مع الطبيعة